حسن الأمين

193

مستدركات أعيان الشيعة

2 - مرحلة الرياضة الروحية والتربية الذاتية ، حيث عكف في هذه المرحلة على العبادة والزهد بمتاع الدنيا في أفق ، واهتم بالكشف والشهود في أفق آخر . 3 - مرحلة التأليف والتعليم والاعداد ، حيث كانت هذه المرحلة بمثابة نتاج مرحلتيه السابقتين . مصادر الإلهام في فكر صدر المتألهين في ضوء المستوحى من كلمات صدر المتألهين ( 1 ) ، انتهى صدر الدين في أواخر المرحلة الأولى من حياته إلى أن سبيل الوصول إلى حقائق العلم وخصوصا - في الفلسفة الإلهية - لا ينبغي حصره بنهج المشاء الذي يتسم بطابع محدد جاف . بل كما ينتج الإدراك الإنساني - الذي يغطي الأفكار الفلسفية العامة ويشكل منطلقا لها - فكرا ورؤى عن طريق القياس المنطقي ينتج كذلك نماذج أخرى عن طريق الكشف والشهود والوحي . وكما نضع اليد من بين الأفكار القياسية على أمور لا يتطرق الشك لصدقها وواقعيتها ، نلمس هذه الخصوصية أيضا في مجال الكشف والشهود . وبعبارة أخرى ، بعد أن اتضحت على أساس البرهان العلمي واقعية الرؤية الإنسانية ، وثبت بالدليل ان الإدراك البشري اليقيني يحكي ويتطابق مع الواقع الخارجي ، فلا يبقى هناك فرق بين البرهان اليقيني ، والكشف القطعي ، وتضحى الحقائق التي يحصل عليها الإنسان عن طريق المشاهدة والكشف القطعي ، والحقائق التي يرقى الإنسان لإدراكها عن طريق التفكير القياسي سيان . كذلك بعد أن دعم البرهان القطعي صحة وواقعية الوحي ، لا يبقى هناك فرق بين مفردات الفكر الديني التي تتناول المبدأ والمعاد وبين مدلولات البرهان والكشف . في ضوء هذه الرؤية والنقلة أقام صدر المتألهين وجهة بحوثه العلمية والفلسفية على أساس التوفيق بين العقل والكشف والشرع ، واستلهم مقدمات البرهان ، ومفاهيم الكشف ، ومفردات الدين القطعية في سبيل الوصول إلى حقائق الإلهيات . ورغم أن جذور هذه الرؤية كانت واضحة في طيات ما كتبه المعلم الثاني أبو نصر الفارابي ، وابن سينا ، وشيخ الإشراق ، وشمس الدين تركه ، والخواجة نصير الدين الطوسي ، الا ان التوفيق حالف صدر المتألهين لتجسيد هذه الرؤية في صورتها المتكاملة . منهج صدر المتألهين الفلسفي وضعت المتابعة المستوفية لحقائق الدين ومفاهيم العرفان والكشف وتطبيقها على البرهان القياسي بين يدي صدر المتألهين أدوات وافكارا مستجدة ، وأتاحت له امكانات كبيرة لتطوير وتوسعة البحوث الفلسفية ، واستحداث بحوث في متن مفردات الفلسفة ، كما أعانته على استبصار أفكار ونظريات جديدة ، وفي غاية العمق . ولم يكن كل ذلك ممكنا على الإطلاق عن طريق العقل المحض والفكر المجرد . من هنا كانت الفلسفة في مدرسة صدر المتألهين مجددة لروح الفلسفة العتيقة المتعبة ، بروح أكثر جدة ، أزاحت غبار الإعياء عما أصاب الفلسفة منه نتيجة الإجهاد ، كما أضافت لأبحاث الفلسفة عددا يعتد به من البحوث الفلسفية . افتتح صدر المتألهين فلسفته بمسالة « أصالة الوجود » وعطف عليها مفهوم « تشكيك الوجود » . ثم أخذ يستلهم هاتين النظريتين ليبرهن من خلالهما عند كل مسألة من مسائل الفلسفة ، وينهض باساسها على أساس هاتين النظريتين . يوضح في النظرية الأولى انه ، رغم اننا نقف في الطرف المقابل للسفسطاءين والارتيابيين ، ونؤمن بوجود واقع موضوعي ثابت للماهيات ، ونرى أن كل واحد من الأنواع الخارجية له ماهية نوعية ووجود . الا أنه بحكم كون حقيقة كل شيء في الخارج لا تتعدى كونه أمرا واحدا . من هنا كان المتأصل في الواقع الخارجي واحدا من أمرين « الوجود » و « الماهية » ، ويكون الآخر ثابتا ثبوتا عرضيا . وبحكم أن العقل يفترض تمايزا بين ماهية ووجود الأشياء ، وبما أن الماهية - في نفسها - محابدة بالنسبة للوجود والعدم ، وأن الوجود هو عين التحقق والثبوت ، فلا بد إذن من النظر إلى الوجود باعتباره عين الواقع وهو الأصيل ، والنظر إلى الماهية باعتبارها ظاهرة ذهنية ، وظهورا تصوريا للوجود . وفي الواقع تمثل الماهيات حدودا عقلية ومفاهيم ينتزعها الذهن ويتصورها جراء إدراكه لمحدودية الوجود . مثلا الإنسان كواقع خارجي ، ووجود عيني ، وظاهرة وجودية تقابل العدم . يضع العقل لمفهوم الإنسان « الحيوان الناطق » كماهية نوعية وحد له ، حيث أن العقل يجد ان واقع كل شيء ليس عينا لواقع سائر الأشياء ولا يتوفر على حقيقتها وواقعها . يوضح في المسألة الثانية « التشكيك في الوجود » التي تعود لدى التحليل إلى مسالتين ( 2 ) ، ان وجود الأشياء الذي ترجع الاصالة اليه ، وتتحقق الماهية تبعا له ، يمثل حقيقة وسنخية واحدة . وبحكم كون الأصالة والواقعية نصيبا للوجود فأي شيء آخر نفترضه سيكون فارغا من المضمون ومحكوما بالبطلان . وتلك الاختلافات التي تقع في الموجودات الخارجية ، نظير الاختلاف في العلية والمعلولية ، والتفاوت من زاوية الوحدة والكثرة ، والقوة والفعل ، والتقدم والتأخر - إلخ ، اختلافات مشهودة وأمور واقعية حقيقية . كل مفردات هذا التفاوت والاختلاف تعود إلى الوجود وتقع في لبه ، وفي المحصلة يكون الوجود حقيقة واحدة ، ينطوي على اختلاف وتفاوت في لبه وواقعه ، دون ضم عنصر إضافي له . يعني : ان تلك الحقيقة التي يشترك ويناظر موجود موجودا آخر في وجوده من خلالها ، تنطوي بعينها على اختلاف وتمايز يقع بين تلك الموجودات . يمثل صدر المتألهين لهذه الحقيقة بالنور المادي حيث يبدو وضوح الضوء عبره مراتب متعددة من حيث القوة والضعف ، وبظهوره تظهر الأجسام وتبدو للحس . والتفاوت الحاصل في الأنوار المختلفة ، والذي يبدو للحس درجات من الشدة والضعف ، ولم يحصل جراء كون النور الضعيف مؤلفا من الضوء والظلمة ، وذلك لأن الظلام أمر عدمي ، ولا يتمتع بشيء من الوجود ، فلا يصير جزء من النور الضعيف ، كما أنه - أي التفاوت - . لم يحصل جراء كون ضعف النور يفضي إلى ثلم مفهوم النور ، إذ ستفتقد عندئذ حقيقة النور . ولم يأت هذا التفاوت لأن قوة النور في النور الشديد أضافت شيئا آخر لحقيقة النور فجاءت القوة نتيجة هذه الإضافة ! بل إن النور الضعيف في الحقيقة نور ضعيف بنفس معنى النورية الذي ينطوي عليه ، فهو ضعيف ونور في حد ومرتبة خاصة والنور القوي تعود قوته لعين نوريته ، وهو نور في مرتبة خاصة . وفي المحصلة هناك مرتبتان موسومتان من النور ، يشتركان في عين مفهوم النور ، ويختلفان في نفس المفهوم بعينه . وكما أن حقيقة الوجود ذات مراتب مختلفة من حيث الشدة والضعف فلها مراتب كذلك من حيث الكمال والنقص . أعلى مراتب الوجود هي مرتبة الوجود الواجب حيث الكمال المحض والفعلية المحضة ، وليس هناك في هذه المرتبة أي لون من ألوان النقص والتحديد . وأسفل مراتب الوجود مرتبة المادة الأولى التي هي بالقوة من كل جهة ، ويعتورها النقص من كل جهة

--> ( 1 ) في ديباجة كتاب « الأسفار » وغيره . ( 2 ) إحداهما وحدة وسنخية حقيقية الوجود ، والأخرى الاختلاف والتفاوت الواقع في هذه الحقيقة الواحدة .